العيني
159
عمدة القاري
لان المغير للطعم ، وهو الشيء الملاقي له ، وكذلك اللون والريح ، وكذلك قوله : ( المراد من لفظ ما لم يغيره طعمه ما لم يتغير طعمه ) غير موجه ، لأنه تفسير للفعل المتعدي بالفعل اللازم ، من غير وجه ، وكذلك ترديده بقوله : لا يخلو إما أن يراد بالطعم المذكور . . . إلى آخره ، غير موجه لأن الضمير المنصوب في : لم يغيره ، يرجع إلى الماء ، فيكون المعنى على هذا : لا بأس بالماء ما لم يغيره طعم الماء ، وطعم الماء ذاتي ، فكيف يغير ذات الماء ؟ وإنما بغيره طعم الشيء الملاقي ، والفرق بين الطعمين ظاهر . النوع الثالث في استنباط الحكم منه استنبط منه : أن مذهب الزهري في الماء الذي يخالطه شيء نجس الاعتبار بتغيره بذلك من غير فرق بين القليل والكثير ، وهو مذهب جماعة من العلماء ، وشنع أبو عبيد في ( كتاب الطهور ) على من ذهب إلى هذا بأنه يلزم منه أن : من بال في إبريق ولم يغير للماء وصفاً إنه يجوز له التطهر به ، هو مستشنع . قال بعضهم : ولهذا نصر قول التفريق بالقلتين . قلت : كيف ينصر هذا بحديث القلتين ، وقد قال ابن العربي مداره على علته ، أو مضطرب في الرواية ، أو موقوف ، وحسبك أن الشافعي رواية عن الوليد بن كثير وهو إباضي . واختلفت روايته فقيل : قلتين ، وقيل : قلتين أو ثلاثاً . وروي أربعون قلة ، وروي أربعون فرقاً ، ووقف على أبي هريرة وعبيد الله بن عمر ، وقال اليعمري : حكم ابن منده بصحته على شرط مسلم من جهة الرواة ، ولكنه أعرض عن جهة الرواية بكثرة الاختلاف فيها والاضطراب ، ولعل مسلماً تركه لذلك . قلت : وكذلك لم يخرجه البخاري لاختلاف وقع في إسناده . وقال أبو عمر في ( التمهيد ) : ما ذهب إلى الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر ، غير ثابت في الأثر ، لأنه قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل . وقال الدبوسي في كتاب ( الأسرار ) : هو خبر ضعيف ، ومنهم من لم يقبله ، لأن الصحابة والتابعين لم يعملوا به . وقال ابن بطال : ومذهب الزهري هو قول الحسن والنخعي والأوزاعي ، ومذهب أهل المدينة ، وهي رواية أبي مصعب عن مالك ، وروى عنه ابن القاسم أن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة ، وإن لم يظهر فيه . وهو قول الشافعي ، وروي هذا المعنى عن عبد الله بن عباس وابن مسعود وسعيد بن المسيب على اختلاف عنه ، وسعيد بن جبير ، وهو قول الليث وابن صالح بن حي وداود بن علي ومن تبعه ، وهو مذهب أهل البصرة . وقد قال بعض أصحابنا : هو الصحيح في النظر ، وثابت بالأثر من ذلك صب الماء على بول الأعرابي . وحديث بئر بضاعة ، وحديث ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ؛ الماء لا ينجسه شيء ، ومذهب أصحابنا الماء إما جارٍ أو راكد ، قليل أو كثير ؛ فالجاري إذا وقعت فيه النجاسة وكانت غير مرئية كالبول والخمر ونحوهما فإنه لا ينجس ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه ، وإن كانت مرئية كالجيفة ونحوها فإنه لا ينجس . فإن كان يجري عليها جميع الماء لا يجوز التوضؤ به من أسفلها ، وان كان يجري أكثرها عليها فكذلك اعتباراً للغالب ، وإن كان أقله يجري عليها يجوز التوضؤ به من أسفلها ، وإن كان يجري عليها النصف دون النصف فالقياس جواز التوضؤ . وفي الاستحسان لا يجوز احتياطاً . والراكد اختلفوا فيه : فقالت الظاهرية : لا ينجس أصلا . وقالت عامة العلماء : إن كان الماء قليلاً ينجس ، وإن كثيراً لا ينجس ، لكنهم اختلفوا في الحد الفاصل بينهما ؛ فعندنا بالخلوص ، فإن كان يخلص بعضه إلى بعض فهو قليل ، وإلا فهو كثير . واختلف أصحابنا في تفسير الخلوص بعد أن اتفقوا أنه يعتبر الخلوص ، بالتحريك ، وهو : أن يكون بحال لو حرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر ، فهو مما يخلص ، وإلاَّ فهو مما لا يخلص . واختلفوا في جهة التحريك ، فعن أبي يوسف عن أبي حنيفة : أنه يعتبر التحريك بالاغتسال من غير عنف ، وعن محمد أنه يعتبر بالوضوء ، وروي أنه باليد من غير اغتسال ولا وضوء ، وأما اعتبارهم في تفسير الخلوص : فعن أبي حفص الكبير أنه أعتبره بالصبغ ، وعن أبي نصر محمد بن سلام أنه اعتبره بالتكدير ، وعن أبي سليمان الجوزجاني أنه اعتبره بالمساحة . فقال : إن كان عشراً في عشر فهو مما لا يخلص ، وإن كان دونه فهو مما يخلص . وعن ابن المبارك أنه اعتبره بالعشرة أولاً ، ثم بخمسة عشر ، وإليه ذهب أبو مطيع البلخي ، فقال : إن كان خمسة عشر في خمسة عشر أرجو أن يجوز ، وإن كان عشرين في عشرين لا أجد في قلبي شيئاً . وعن محمد أنه قدره بمسجده ، وكان ثمانياً في ثمانٍ ، وبه أخذ محمد بن سلمة . وقيل : كان مسجده عشراً في عشرٍ . وقيل : كان ، داخله ثمانياً في ثمانٍ ، وخارجه عشراً في عشرٍ . وعن الكرخي : لا عبرة للتقدير ، وإنما المعتبر هو التحري ، فلو كان أكثر رأيه أن النجاسة خلصت إلى الموضع